أبو حامد الغزالي

68

تهافت الفلاسفة

مقدمة ثالثة [ غرض الغزالي من تأليف التهافت هدم مذاهب الفلاسفة التي تتعارض مع أصول الدين . . . ] ليعلم أن المقصود تنبيه من حسن اعتقاده في الفلاسفة ، وظن أن مسالكهم نقية عن التناقض ، ببيان وجوه تهافتهم ، فلذلك أنا لا أدخل في الاعتراض عليهم إلا دخول مطالب منكر ، لا دخول مدع مثبت ؛ فأبطل عليهم ما اعتقدوه مقطوعا بإلزامات مختلفة ، فألزمهم تارة مذهب المعتزلة « 1 » وأخرى مذهب الكرامية « 2 » ؛ وطورا مذهب الواقفية « 3 » ، ولا أنتهض ذابا عن مذهب مخصوص

--> ( 1 ) ويسمون أصحاب العدل والتوحيد ، وهم فرق متعددة ، ولكن يجتمعون على أمور ، منها نفى زيادة الصفات على ذات اللّه ، فهو عندهم عالم بذاته قادر بذاته . . . إلخ ؛ وأن كلامه محدث مخلوق في محل وهو حرف وصوت ، كتب أمثاله في المصاحف حكاية عنه ؛ وأنه لا يرى بالأبصار في دار القرار ؛ وأنه لا يشبه خلقه في شأن من الشؤون ، ومن أجل هذا أوجبوا تأويل الآيات التي ربما تشعر بذلك ؛ وسموا هذا النمط توحيدا ، وأن العبد قادر خالق لأفعاله خيرها وشرها ، مستحق على ما يفعله ثوابا وعقابا في الدار الآخرة ، والرب تعالى منزه عن أن يضاف إليه شر وظلم وفعل هو كفر ومعصية ؛ وأن الحكيم لا يفعل إلا الصلاح والخير ، ويجب من حيث الحكمة رعاية مصالح العباد ؛ وأن المؤمن إذا خرج من الدنيا على طاعة وتوبة استحق الثواب والعوض ، والتفضل معنى آخر وراء الثواب ، وإذا خرج من غير توبة ، عن كبيرة ارتكبها ، استحق الخلود في النار ، لكن يكون عقابه أخف من عقاب الكفار وسموا هذا النمط وعدا وعيدا . وأن معرفة اللّه ، وشكر نعمته ، واجب بالعقل قبل ورود السمع ، والحسن والقبح يجب معرفتهما بالعقل ، واجتناب القبيح واعتناق الحسن واجبان كذلك ، وورود التكاليف ألطاف للبارى تعالى أرسلها إلى العباد بتوسط الأنبياء - عليهم السلام - امتحانا واختبارا ، ليهلك من هلك عن بينة ، ويحيى من حي عن بينة . ( 2 ) أصحاب أبي عبد اللّه محمد بن كرام يقول عنه الشهرستاني : « أنه من الصفاتية لأنه يثبت الصفات إلا أنه ينتهى فيها إلى التجسيم والتشبيه ، نصوا على أن معبودهم على العرش استقرارا ، وأنه بجهة فوق ذاتا ، وأنه أطلق عليه اسم الجوهر ، وأنه مماس للعرش من الصفحة العليا » . ويقول صاحب « مقالات الإسلاميين » : « الفرقة الثانية عشرة من المرجئة « الكرامية » « أصحاب محمد بن كرام » : يزعمون : أن الإيمان هو الإقرار والتصديق باللسان ، دون القلب ، وأنكروا أن يكون معرفة القلب أو شئ غير التصديق باللسان إيمانا ؛ وزعموا : أن المنافقين الذين كانوا على عهد رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم كانوا مؤمنين على الحقيقة ، وزعموا : أن الكفر باللّه هو الجحود والإنكار له « باللسان » . ( 3 ) لم أجد هذا الاسم وإنما وجدت « الواقفة » يقول صاحب « مقالات الإسلاميين » : « الصنف الثاني والعشرون من الرافضة ، يسوقون الإمامة حتى ينتهوا بها إلى « جعفر بن محمد » ويزعمون « أن جعفر بن محمد » نص على إمامة ابنه « موسى بن جعفر » وأن « موسى بن جعفر » حي لم يمت ، ولا يموت حتى يملك شرق الأرض وغربها ، وحتى يملأ الأرض عدلا وقسطا ، كما ملئت ظلما وجورا ، وهذا الصنف يدعون « الواقفة » لأنهم وقفوا على « موسى بن جعفر » ولم يجاوزوه إلى غيره ، ويدعون أيضا « المسطورة » لأن « موسى بن عبد الرحمن » لما ناظرهم قال لهم : أنتم أهون على من الكلاب الممطورة » « والممطور » من المطر قال في القاموس : مكان ممطور ومطير ، وقع عليه المطر .